مجلس رئاسي لحكم أمريكا

مفهوم الديمقراطية بوضعه الحالي، بات عقيما وغير عادل. وكان مفهوم الدمقراطية بصورته الأولى، قد ظهر في المدن اليونانية القديمة، وعرف باسم دمقراطية أثينا. وكان آنئذ نهجا عادلا وناجعا، لكون جميع سكان المدينة يجتمعون في الساحة العامة، ويدلون برأيهم في القضية المطروحة للنقاش. فكان يقر عندئذ الرأي الذي تباركه أكثرية الحضور.

ولكن بمرور الزمن وتطور المدن الى دول، واتساع مساحات تلك الدول، لم يعد بوسع سكانها الاجتماع في ساحة عامة ليناقشوا معا قضاياهم التي باتت متفرعة وشائكة، وهنا تطور مفهوم الديمقراطية تدريجيا بعد مروره بمراحل من عهود الدكتاتوريات، مرورا بالماغناكرتا البريطانية، وصولا الى الثورة الفرنسية، واقتحام سجن الباستيل، واعلان ميثاق حقوق الانسان، وبعد مراحل عدة حملت مزيدا من التطورات، استقر الأمر على اعتبار صندوق الاقتراع هو المعيار الحقيقي للدمقراطية الحقيقية، مع أنه على أرض الواقع ليس كذلك على الاطلاق.

وبات النهج المعتمد في اختيار رئيس للدولة، هو طرح عدة أشخاص أنفسهم، يمثلون تيارات أو أحزاب متفاوتة الرؤيا، كمرشحين للموقع القيادي أي الرئاسي. ويتم ذلك بجولة أولى تتبعها جولة ثانية بين الحاصلين على أعلى الأصوات، اذا لم يتم حسم الأمر من الجولة الأولى، ويكون الفائز في نهاية الأمر، من يحصد 50 بالمائة زائد واحد، بدون أي أهمية أو اهتمام بالتسعة وأربعين بالمائة، مع تناسي أيضا النسبة التي غالبا ما تكون عالية، من الممتنعين عن المشاركة والاقتراع، وكان بوسعهم لو أدلوا بأصواتهم، أن يبدلوا تلك النتيجة. فالرئيس المنتخب اذن في حالة كهذه، لا يمثل فعلا رؤية الغالبية الحقيقية العظمى من الشعب الذي اقترع منه أو لم يقترع.

وحاولت الولايات المتحدة أن تتجنب نتيجة كهذه، ولذا اعتمدت في بداية مرحلتها الدمقراطية أن يكون كلا المرشحين المتنافسين.. فائزين، فكانت حتى بدايات القرن الثامن عشر، تعتبر الفائز بعدد الأصوات الأعلى هو الرئيس الفائز، على أن يكون الفائز بعدد أدنى من الأصوات، هو نائب الرئيس، وكان الأميركيون في ذلك النهج، قد اقتربوا بعض الشيء من مفهوم الدمقراطية الأكثر دقة، رغم عدم صحته بشكل مطلق كما سنلاحظ لاحقا.

ولكن في مرحلة من مراحل انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة، تصادف أن تساوى المرشحان بعدد الأصوات التي حظي بها كل منهما، فلم يعد بوسع المشرفين على الانتخاب، تحديد من هو الفائز بموقع الرئيس والفائز بموقع نائب الرئيس. وهنا حاولت الولايات المتحدة استبدال نظام الاقتراع المباشر من قبل المواطنين مباشرة، لتضع عبء انتخاب الرئيس على عاتق مجلس الشيوخ المكون من مندوبين عن كل ولاية. ولكنهم سرعان ما اكتشفوا أن هذا النهج أعطى الولايات الصغيرة قدرا متساويا مع الولايات الكبيرة، فتقرر نقل العبء الى عاتق مجلس النواب الذي يتحدد عدد أعضائه بما يتناسب مع عدد سكان كل ولاية. الا أن هذا الحل لم يلق رضاء كافيا، فأقرت الولايات المتحدة نهج قيام المجلسين معا بانتخاب الرئيس. لكن هذا الاحتمال أيضا لم يلق قبولا كافيا من المشرعين. وهنا طرحت فكرة الكلية الانتخابية، واعتمدت. وبذلك بات على عاتقها مهمة انتخاب الرئيس.

وتضم الكلية في وضعها الحالي 530 عضوا، ترسل كل ولاية عددا من الأعضاء يتناسب مع عدد سكانها. وهنا يكون الرئيس الفائز من يحظى بمباركة 270 أو أكثر من المندوبين المرسلين للكلية الانتخابية، باعتباره رأي أكثرية الأعضاء في مجلس تلك الكلية. وهذا هو النهج المتبع منذ سنوات طويلة. لكنه نهح أثبت فشله وعدم دمقراطيته في عدة مراحل انتخابية في القرن التاسع عشر، كما أثبتها مؤخرا في انتخابات عام 2000، عندما كان الصراع بين المتنافسين على مقعد الرئاسة جورج دبليو بوش مرشح الحزب الجمهوري، وآل غور مرشح الحزب الديمقراطي، ثم في الانتخابات الأخيرة في العام الحالي والتي تنافس فيها دونالد ترامب وهيلاري كلينتون.

فلو تم تجنب نهج الكلية الانتخابية، وطبق نهج الخمسين زائد واحد السائد الى الآن في عدة دول (رغم ما يشوبه من مساوىء)، لكان الفائز في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2000، آل غور لحصوله على خمسين مليون و999897 صوتا، مقابل خمسين مليون و456002 صوتا حصل عليها بوش الابن، أي بأكثرية تبلغ 543 الفا و897 صوتا لصالح آل غور، وهي بكل تأكيد أكثر من50 زائد واحد في النهج الدمقراطي المألوف. الا أن آل غور خسر الرئاسة في الكلية الانتخابية والتي كان الصراع فيها يحتدم بين الطرفين، وتسعى عدة جلسات قضائية ومخاصمات أمام محاكم عليا، لحسم الخلاف وتحديد الفائز بأصوات مندوبي ولاية فلوريدا، والتي كانت محل نزاع، فحسمت لمصلحة بوش لكونه قد حصل على 560 صوتا فقط أعلى في تلك الولاية، أدت الى كونه الحاصل، نتيجة هذا العدد الضئيل من الأصوات الفائضة في ولاية واحدة، على حق ارسال مندوبيه عن تلك الولاية للكلية الانتخابية، مما رجح لصالحه عدد المندوبين النهائي في تلك الكلية الانتخابية العتيدة، دون أي اعتبار لفائض في الأصوات قدره نصف مليون صوت أو أكثر، حصل عليها آل غور في مجمل أصوات المقترعين في طول البلاد وعرضها، والتي لو طبق مبدأ الخمسين زائد واحد، وليس نهج الكلية الانتخابية، لفاز معها آل غور بالرئاسة.

وتكرر الأمر الآن في انتخابات عام 2016. اذ حصد دونالد ترامب الرئاسة بأصوات المندوبين الى الكلية الانتخابية، مع أنه على أرض الواقع، وعلى ضوء مجموع أصوات المقترعين في تلك الانتخابات، حصد فقط تسعة وخمسين مليون و 535522 ألف صوت، مقابل تسعة وخمسين مليون صوت و755284 ألفا حصدتها المرشحة هيلاري كلينتون، أي بزيادة قدرها 219 الفا و 762 صوتا من مجموع الأصوات التي حصل عليها دونالد ترامب، مما يؤهلها للفوز اذا سرنا على نهج خمسين زائد واحد، الأمر الذي يثبت مرة أخرى، مدى الضرر الذي يلحقة نهج الكلية الانتخابية المبتعد عن المفهوم الديمقراطي السائد الآن في معظم أقطار العالم. وهو لا يبتعد فحسب عن العملية الدمقراطية بمفهومها السائد حاليا، بل يتسبب أيضا بالحاق الضرر بالمرشحين و بالدولة ذاتها، وبشعبها بطبيعة الحال.

والضرر الذي لحق بالدولة الأميركية وبدول أخرى نتيجة هذا النهج الخاطئ في انتخاب الرئيس الأميركي، هو ضرر كبير. فالرئيس بوش الآبن الذي حصد فوزا غير دمقراطي في المفهوم السائد عالميا للدمقراطية، قد أدخل البلاد في حربين (في أفغانستان والعراق) الحقت ضررا جسيما بشعوبها وبالشعب الأميركي أيضا، متسببة بمقتل مئات الألوف من الأبرياء في العراق نتيجة ذاك الغزو الأميركي غير المبرر قانونيا ودوليا، كما الحق ضررا بالولايات المتحدة ذاتها، وأدى الى خسائر كبرى في سوق العقارات وتسبب باغلاق وافلاس عدد من البنوك الأميركية.

ولن يقل الضرر الذي سينتج عن انتخاب ترامب لهذه الدورة الرئاسية، بعد كل هذه الأطروحات الغريبة التي قدمها الرئيس القادم للناخب الأميركي الأبيض، وتضمنت الكثير من الابتعاد عن المفاهيم الأميركية حول الحرية والمساواة والدمقراطية والاحتكام للقانون وللقضاء العادل. ويحاول أنصاره تفسير وعوده تلك بأنها مجرد وعود انتخابية، وأن الرئيس المنتخب سوف يعود عنها واحدة تلو الأخرى. ولكن اذا كان الرئيس المنتخب قادرا على ابتلاع وعوده والتراجع عنها، هل سيستطيع أيضا مسحها من عقول ألأميركيين البيض الذين زرعت في عقولهم، (في مسعى للتأثير فيهم وكسب أصواتهم)، وتضمنت رفضا لتواجد المكسيكيين والاسبان والمسلمين على الأراضي الأميركية، مع بعض التنويه بالأميركيين من أصل أفريقي.

فهذه الوعود التي حركت التطلعات العنصرية والطائفية والاثنية لدى الكثيرين، قد أفرزت فعلا ردود فعل فورية ضد المكسيكيين والاسبان والمسلمين والسود، معيدة الولايات المتحدة الى مرحلة من التمييز العنصري والطائفي، عمل رؤساء أميركيون متعاقبون طويلا على محاولة ازالتها. ولكن ها هي تعود بجرة قلم نتيجة خطابات يقال بأنها انتخابية، القاها دونالد ترامب.. ربما لا لسبب الا لضمان الوصول الى البيت الأبيض. فكأننا بصدد مجنون أشعل نارا وهو يدري أو لا يدري، بأنه قد يصعب اطفاؤها لاحقا.

فالمظاهرات اليومية المعارضة لدونالد ترامب، بدأت تجوب شوارع المدن الكبرى احتجاجا على انتخابه، وفي بعضها تحولت الى مظاهرات عنيفة. وقد جاءت هذه المظاهرات بعد أن ظهرت اللافتات في عدة مدن تندد بالمكسيكيين وبالمسلمين بل وبالسود أيضا، كما أخذت الفتيات المسلمات المحجبات، تتخلين عن حجابهن اضطرارا تخوفا من تهديدات البيض، وكأني بكوكلاكس كلان قد عادت بسرعة الى الوجود، لكنها في هذه المرة ، عادت دون حاجة لتغطية وجوه المشاركين فيها بغطاء الرأس والوجه الذي يشابه (القبع)، لأنهم في هذه الحالة، ليسوا مرفوضين من الأجهزة المعنية، فهم يتصرفون استجابة لدعوات رئيسهم المنتخب، الذي بلمح البصر، أعاد أو كاد يعيد الى الحياة، مرحلة الكوكلاكس كلان التي كاد أن يعفو الزمان عنها.

ويكفي المراقب أن يراجع تويتر وما ورد عليها من شكاو من قبل مكسيكيين ونساء مسلمات (بل وفيديو يكشف رفض السماح لرجل أسود بالدخول الى قاعة فيها عدد من البيض)، ليدرك بأن نيرون قد أشعل فعلا نارا، ولا يدري أحد من سيطفئها وكيف سيطفئها.

ولمعالجة هذا الضعف في مسألة الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولتفادي ما أفرزته من معضلات، ينبغي أن تركز مطالب العقلاء على وجوب اجراء استفتاء على تعديل الدستور والغاء نظام الكلية الانتخابية، دون توقع امكانية اقدام الكونجرس بمجلسيه، على خطوة كهذه، خصوصا وأن كلي المجلسين من شيوخ ونواب، هم تحت هيمنة الجمهوريين.

لكن المفهوم الغربي للدمقراطية أيضا، والمبني على مفهوم خمسين زائد واحد، ينبغي أن يعاد النظر فيه كذلك. وأنا لست خبيرا دستوريا أو مطلعا اطلاعا كافيا على الوسائل الضرورية لضمان العدالة والدمقراطية وتجنب تهميش أي فئة من المواطنين، حتى أولئك الممتنعين عن المشاركة مشاركة فعلية في الاقتراع، أي الجناح الصامت في الوطن، لكني أرجح، كرأي متواضع، أن يتم العدول عن فكرة أن تتم الجولة الثانية في أي انتخابات رئاسية بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات، وهما عادة يمثلان تيارين مختلفين، وأن يوسع الأمر من أجل مفهوم أفضل للدمقراطية، وكي لا يصل المواطن الى مرحلة الاختيار بين الكوليرا والطاعون فحسب… بأن يجري الاقتراع الثاني بين أعلى ثلاثة مرشحين وليس بين اثنين فحسب. فهنا يكون المواطن أمام خيارات أوسع. وبذلك لا يهدر دور من حصل على 49 بالمائة، اذا ما فعل أيضا النهج الذي سلكته الولايات المتحدة في بداية حياتها السياسية ثم تخلت عنه، فيكون صاحب الأصوات الأعلى هو رئيس المجلس الرئاسي، ومن يليه بعدد الأصوات، هو النائب الأول للرئيس في المجلسي الرئاسي، والحاصل على أدنى الأصوات هو النائب الثاني في المجلس الرئاسي الذي يدير البلد بقيادة جماعية، غالبا ما ستتضمن ثلاث تيارات مختلفة. ففي هذه الحالة لا نهمش اي فئة ولو صغيرة من بين ابناء ومواطني البلد، الذي يصبح خاضعا لقيادة جماعية ائتلافية ، ربما تنطوي أحيانا على خلافات ونزاعات في الرؤيا، لكنها تضمن تحقق التمثيل شبه الكامل لكافة الأطياف أو لمعظمها رغم ما في ذلك من معوقات.

أنها مجرد رؤية متواضعة أطرحها للنقاش، على أمل أن يدلي الخبراء بدلوهم في هذا المجال، بعد أن بات من الضروري تطوير نهج جديد لمفهوم الدمقراطية، نهج لا يفيد الولايات المتحدة وحدها اذا ما تخلت عن نهج الكلية الانتخابية الذي أثبت فشله، بل قد يفيد أيضا، كل دول العالم الراغبة بنهج دمقراطي صحيح، أكثر عدالة وتمثيلا، ويقترب تدريجيا من مفهوم دمقراطية أثينا.